ضجّت منصات التواصل الاجتماعي، أمس، بخبر استحداث “مهرجان السودان الدولي لأفلام التحريك”، جائزةً لحقوق المرأة، تحمل اسم أيقونة ثورة ديسمبر، ست النفور بكار؛ في مبادرة تستدعي سيرة الشهيدة وتضفي عليها بُعداً رمزياً متجدداً، وتُحيل الخطوة إلى إرثٍ ممتد من نضالات السودانيات، وتؤكد حضورهن الفاعل، بما يعزز هذا الحراك ويرسخه في الوعي الثقافي والإبداعي.
فالجائزة التي تندرج ضمن فعاليات «مهرجان السودان الدولي لأفلام التحريك.أبادماك»، من المنتظر أن تُمنح للفيلم الذي ينجح في مقاربة قضايا المرأة بعمقٍ إنساني ورؤية فنية متماسكة، قادرة على التقاط تفاصيل التجربة النسوية في سياقاتها المتعددة، ولا تقف حدودها عند الاحتفاء بالإنتاج السينمائي فحسب، بل تتجاوز ذلك لتصبح منصةً تُعيد طرح الأسئلة الساعة حول العدالة والمساواة والتمكين، عبر لغة الصورة وما تختزنه من طاقة تعبيرية مؤثرة.
ويحمل اسم الجائزة دلالةً رمزية تتجاوز البعد التكريمي، إذ تستدعي سيرة الشابة ست النفور بكار”ستنا” الناشطة الحقوقية التي قتلت برصاص قوات الأمن، في السابع عشر من نوفمبر2021، خلال الاحتجاجات التي شهدتها منطقة بحري، رفضاً للانقلاب العسكري، بوصفها نموذجاً للمرأة التي دفعت ثمناً باهظاً في سبيل الكرامة، لتتحول ذكراها إلى مرآةٍ تعكس معاناة نساءٍ كثيرات، وإلى بوصلةٍ أخلاقية توجه الخطاب الثقافي نحو مزيدٍ من الانحياز لقضايا الحقوق والحريات، ومن هذا المنطلق، تبدو الجائزة كأنها محاولة لإعادة وصل الفن بالفعل الاجتماعي، وتأكيد قدرة الإبداع على أن يكون شاهداً على الواقع ومشاركاً في تغييره.
ويرى مختصون أن تخصيص جائزة بهذا الشكل داخل مهرجان لأفلام التحريك يعكس وعياً متنامياً بأهمية هذا الفن، الذي لم يعد موجهاً للأطفال فحسب، بل بات وسيطاً قادراً على تناول قضايا شائكة بلغةٍ رمزية مكثفة، تتجاوز القيود التقليدية للسرد البصري، فالصورة المتحركة، بما تتيحه من حرية في التشكيل والتخييل، تمنح صُنّاع الأفلام مساحةً أوسع لتمثيل التجارب النسوية، واستحضار ما قد يتعذر قوله في الأشكال الواقعية المباشرة.
وأكدوا أن الجائزة تكتسب أهميتها من اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان، من تحديات سياسية واجتماعية، وتحولات عميقة في بنية المجتمع، ما يجعل من قضايا المرأة محوراً لا يمكن فصله عن مسار الاستقرار والتنمية، مشددين على دور المبادرات الثقافية في الإسهام بإعادة تشكيل الوعي، عبر تسليط الضوء على قصص الصمود الفردي والجماعي، وإبراز قدرة النساء على تحويل الهشاشة إلى قوة، واليأس إلى أفقٍ مفتوح على الاحتمالات.
وبينما تتجه الأنظار إلى الدورة المقبلة من المهرجان، تبدو «جائزة ست النفور بكار لحقوق المرأة» أكثر من مجرد تكريم فني؛ إنها بيانٌ ثقافي يراهن على أن الذاكرة، حين تُصاغ في عمل إبداعي، يمكن أن تتحول إلى قوة دافعة نحو التغيير، وأن صوت النساء، مهما تعرّض للتهميش، قادرٌ على أن يجد طريقه إلى الضوء، وأن يعيد كتابة الحكاية من موقع الفاعل لا الضحية.