ضمن جهودهم التنموية،افتتح أهالي “شبّه” بجزيرة بدين، مسجد أبو بكر الصديق، بعد مسيرة طويلة من السعي والتعثر، امتدت لسنوات، قبل أن تتوج أخيراً بإنجازٍ يعكس إرادة الناس حين تتقدّم على شُح الإمكانات وغياب الدعم الحكومي.
أصل الحكاية:
يوضح رامي عبد الله، المهندس المعماري، أن تاريخ المسجد يمتد إلى أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وتحديداً نحو عام 1938، حيث أُنشئ في موقعٍ قريب من موقعه الحالي، قبل أن تفرض عوامل الطبيعة، من فيضانات وتآكل، نقله وإعادة بنائه، موضحاً أن المسجد مرّ بعد ذلك بعدة مراحل من التجديد، شملت إعادة تأهيله في عام 1958، ثم في عام 1973، وصولاً إلى المشروع الحالي الذي انطلقت أعماله في أكتوبر 2023، واكتملت بافتتاحه في 10 يوليو 2026.
وأشار رامي إلى أن فكرة إعادة بناء المسجد ظلت حاضرة في وجدان الأهالي لعقود، رغم تعثر محاولات التنفيذ مراراً، إلى أن تجددت الجهود في نهاية عام 2020، حيث قمنا بإعداد دراسة هندسية متكاملة تضمنت جداول الكميات والتكاليف، التي قُدّرت حينها بنحو 374 ألف ريال، مع اعتماد التسعير بعملة مستقرة نسبياً لمواجهة تقلبات الأسعار.
وبيّن أن المخطط المعماري الأولي جاء بمساحة 14×14 متراً، مع أربعة أعمدة داخلية، وفق نظام يجمع بين الحوائط الحاملة والأعمدة، قبل أن يتم تعديل التصميم لاحقاً إلى 17×17 متراً، وهو ما نُفذ على أرض الواقع، ليمنح المسجد سعةً أكبر تتناسب مع احتياجات المصلين.
وأكد عبد الله أن المشروع لم يكن مجرد عملية بناء تقليدية، بل هو خلاصة سنوات من المحاولات والاجتهادات المجتمعية، حيث سعينا إلى تصميم يوازن بين البساطة والمتانة، مع مراعاة ظروف البيئة المحلية”، لافتاً إلى أن “التحول في المساحة جاء استجابةً للنمو المتوقع، بما يعزز الوظيفة والجمال في آنٍ واحد، مبيناً أن التكلفة النهائية للمشروع تجاوزت 650 ألف ريال، تكفّل بها في معظمها أبناء المنطقة، لا سيما المغتربين منهم، الذين ظلوا على مدى السنوات يشكّلون العمود الفقري لمشروعات التنمية المحلية، في ظل غيابٍ شبه كامل للدعم الرسمي من الجهات المختصة بالأوقاف والشؤون الدينية، على حد قوله.
وفي المراحل الأخيرة من التنفيذ، انضمت جهة خيرية بدعمٍ من أحد الشيوخ في المملكة العربية السعودية، حيث ساهمت في استكمال بعض الأعمال، بما في ذلك المئذنة، والسور الخارجي، وأعمال (الردميات والتشطيبات)، لتكتمل الصورة النهائية للمسجد في حلّته الجديدة.
ويندرج هذا الانجاز ضمن سلسلة من المبادرات المجتمعية التي يقودها أبناء “بدين شبه”، إذ سبق لهم تنفيذ مشاريع مماثلة عبر “النفرات”، شملت إعادة تأهيل نادي المنطقة، والعمل حالياً على جمع التبرعات لشراء ملعبٍ قانوني يخدم الشباب، في نموذجٍ يعكس وعياً متقدماً بدور المجتمع في سد فجوات التنمية، حسب عبد الله.
إذاً، بافتتاح المسجد، تُسجَّل صفحةٌ أخرى في سجل العطاء الأهلي، حيث يثبت أبناء المنطقة أن التنمية، وإن تعثرت مؤسساتها، يمكن أن تنهض على أكتاف أهلها، وأن بيوت الله تظل شاهداً على ما يمكن أن تصنعه الإرادة حين تتكئ على الإيمان والعمل المشترك.