يظل «أكتوبر الأخضر» مناسبة عزيزة في الذاكرة السودانية؛ يستعيدها السودانيون كلما أثقلتهم الأيام، ترياقاً في مواجهة القبح، وذاكرةً تستدعي معنى الانتصار حين يبدو الطريق مثقلاً بالانكسارات، وفي ظل هذا البؤس الماثل في وطننا، اختارت رائدة الأعمال نهى شرفي، إلى جانب زميلتها رائدة الأعمال الاجتماعية منال جعفر، استعادة روح ثورة أكتوبر في سياق مختلف، تحت عنوان «أكتوبر الوردي»، لمهرجان يضع المرأة وريادة الأعمال في قلب المشهد، ويفتح أمامها مساحة للعمل والمبادرة وصناعة الفرص.
وتقول نهى شرفي لـ«أفروشونقر» إن اختيار أكتوبر للمهرجان لم يكن مصادفة، موضحةً: «أكتوبر يحمل في الذاكرة السودانية معنى الإرادة والانتصار والقدرة على التغيير، وأردنا أن نستعيد هذه الروح من خلال ريادة الأعمال، وأن نؤكد أن صناعة الفرص والمبادرة والعمل يمكن أن تكون وجهاً آخر من وجوه الصمود. المهرجان مساحة للمرأة لتعرض تجربتها، وتقدم مشروعها، وتلتقي بغيرها من صاحبات الأعمال، وتحول أفكارها إلى فرص حقيقية”.
وتضيف شرفي أن «أكتوبر الوردي» لا يستعيد ذكرى أكتوبر بقدر ما يستلهم روحها؛ فالمعنى الذي صنعته الذاكرة السودانية يمكن أن يجد امتداداً جديداً في قدرة المرأة على المبادرة والعمل وصناعة المستقبل، ومن هذه الزاوية، تصبح ريادة الأعمال أكثر من نشاط اقتصادي؛ إذ تتحول إلى وسيلة لاستعادة الثقة، وتعزيز الاستقلال، وخلق مساحات جديدة للمرأة في الاقتصاد والمجتمع.
وتكتسب الفكرة دلالتها الأوسع من واقع المرأة السودانية التي وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة أمام ظروف استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية. ومع ذلك، لم تكن المرأة مجرد متلقية لهذه التحولات، بل ظلت حاضرة في تفاصيل الحياة، تبحث عن الممكن، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتحول ما تملكه من خبرات وإمكانات إلى مشروعات ومحاولات جديدة.
وفي السياق ذاته، تقول منال جعفر، رائدة الأعمال الاجتماعية، إن اختيار اسم «أكتوبر الوردي» جاء «تعزيزاً لثقافة المسؤولية الاجتماعية في الحراك السوداني بالمهجر، وفتح نافذة على حاضر المرأة ومستقبلها». وترى أن اللون الوردي يضيف إلى المهرجان بعداً مجتمعياً، من خلال التوعية بقضايا صحة المرأة، وتشجيع الفحص المبكر، وخلق مساحة للحديث عن سرطان الثدي بعيداً عن الخجل والخوف، بما يجعل الوعي جزءاً من منظومة أوسع لتمكين المرأة.
وتؤكد جعفر أن الجانب الصحي لا ينفصل عن الفكرة الأساسية للمهرجان، وإنما يأتي مكملاً لها؛ فالمرأة التي تسعى إلى بناء مشروعها وصناعة استقلالها الاقتصادي تحتاج كذلك إلى بيئة اجتماعية أكثر وعياً باحتياجاتها. ومن هنا، يصبح الاهتمام بصحتها وتعزيز معرفتها بقضاياها جزءاً من تمكينها، لا محوراً بديلاً عن ريادة الأعمال.
وترى جعفر أن المهرجان يتجاوز الاحتفاء العابر ليقدم صورة مختلفة للمرأة السودانية؛ امرأة قادرة على المبادرة والعمل وصناعة المشاريع، وتحويل المساحات المحدودة إلى منصات للفرص والأمل. وهي، في ظل الظروف القاسية، لا تنتظر اكتمال الظروف كي تبدأ، بل تبحث عما يمكن فعله بما هو متاح، وتحول التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى فكرة، والفكرة إلى مشروع.
ومن هذه الزاوية، يصبح «مهرجان نهى شرفي» أكثر من مناسبة في سجل بازارات الرياض؛ إنه منصة تلتقي فيها ريادة الأعمال بالمسؤولية الاجتماعية، وتستعيد من خلالها المرأة صوتها الاقتصادي والاجتماعي، وتعرض تجاربها، وتبني علاقاتها، وتؤكد قدرتها على الانتقال من موقع المتأثرة بالأزمات إلى موقع الفاعلة في صناعة المستقبل.
وإذا كان «أكتوبر الأخضر» قد ارتبط في الذاكرة السودانية بمعنى الانتصار، فإن استعادته في سياق جديد تمنح ذلك المعنى امتداداً معاصراً؛ انتصاراً يبدأ من فكرة، ويتحول إلى مبادرة، ثم إلى مشروع قادر على صناعة أثر.