انتقد الرئيس الرواندي بول كاغامي ما وصفه بازدواجية المعايير في الخطاب الدولي، خلال مشاركته في منتدى إفريقيا للرؤساء التنفيذيين المنعقد في كيغالي، في تصريح يعكس تصاعد النقاش حول قضايا السيادة والعدالة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه القارة.
قال كاغامي، بلغةٍ حملت مزيجًاً من الحزم والمرارة، إن قوى خارجية لا تزال تأتي إلى القارة الإفريقية «لإلقاء محاضرات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان»، بينما تمارس في الوقت ذاته ما يشبه الاستنزاف المنهجي لثروات الشعوب. لم يكن تصريحه مجرد موقف عابر في سياق خطاب اقتصادي، بل بدا كأنه استعادةٌ مكثفة لذاكرةٍ إفريقية مثقلة بتاريخٍ طويل من الهيمنة، حيث لم تنفصل الشعارات يوماً عن المصالح.
في قاعة المنتدى، التي ضمّت نخبة من صُنّاع القرار وقادة الأعمال من داخل القارة وخارجها، بدت كلمات الرئيس الرواندي كأنها تُعيد ترتيب النقاش: من سؤال «كيف نستثمر؟» إلى سؤال «لمن تُخلق القيمة؟». وهي مفارقة طالما رافقت مسيرة التنمية الإفريقية، حيث تتدفق الاستثمارات، لكن أثرها لا يترسّخ دائمًا في حياة المواطنين.
يرى مراقبون أن حديث كاغامي يندرج ضمن خطابٍ إفريقي متصاعد يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الشركاء الدوليين، على أسسٍ أكثر توازنًا. فالقارة التي تمتلك موارد طبيعية هائلة – من المعادن النادرة إلى الأراضي الزراعية الخصبة – لم تعد تقبل بأن تكون مجرد «مورد خام» في سلاسل القيمة العالمية، ولا أن تُختزل في تقارير تُقيّم أداءها السياسي دون النظر إلى تعقيدات واقعها.
ويشير محللون إلى أن انتقادات كاغامي تعكس أيضًا تحولات أعمق في وعي النخب الإفريقية، التي باتت أكثر ميلًا لربط قضايا الحوكمة بالديناميات الاقتصادية العالمية. فالدعوة إلى الديمقراطية، من هذا المنظور، لا يمكن أن تكون منفصلة عن العدالة الاقتصادية، ولا عن حق الشعوب في الاستفادة من مواردها.
غير أن هذا الطرح لا يخلو من جدل. إذ يرى بعض المتابعين أن قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية تظل معايير عالمية لا يجوز التقليل من أهميتها، حتى في سياق نقد الممارسات الاقتصادية الدولية. وبين هذا الرأي وذاك، يتشكل نقاشٌ معقّد حول كيفية تحقيق التوازن بين السيادة الوطنية والالتزامات الدولية.
في المقابل، يدافع أنصار كاغامي عن رؤيته بوصفها تعبيرًا عن «براغماتية إفريقية» جديدة، تسعى إلى تجاوز الخطاب التقليدي، والانتقال إلى شراكات قائمة على المصالح المتبادلة لا الإملاءات. ويستشهد هؤلاء بالتجربة الرواندية نفسها، التي استطاعت خلال سنوات قليلة تحقيق معدلات نمو لافتة، مع التركيز على التكنولوجيا والخدمات، رغم محدودية الموارد الطبيعية.
اللافت أن هذا السجال يأتي في وقتٍ تتزايد فيه المنافسة الدولية على إفريقيا، سواء من القوى الغربية أو من اقتصادات صاعدة، ما يمنح القارة هامشًا أوسع للمناورة، لكنه يضعها أيضًا أمام تحديات معقدة في إدارة هذه العلاقات.
في نهاية المطاف، لم يكن تصريح كاغامي مجرد انتقادٍ عابر، بل أقرب إلى بيان سياسي مكثّف يعكس لحظة إفريقية فارقة: لحظة تبحث فيها القارة عن صوتها الخاص، وعن معادلةٍ جديدة توازن بين القيم والمصالح، بين الخطاب والواقع، وبين ما يُقال في المنابر، وما يحدث على الأرض.
وبينما تستمر جلسات المنتدى في كيغالي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح إفريقيا في تحويل هذا الخطاب إلى سياساتٍ تُعيد توزيع الثروة والفرص داخل القارة؟ أم أن التناقضات القديمة ستجد طريقها مجددًا، وإن بأشكالٍ أكثر حداثة؟