في سيرةٍ تُشبه انبثاق الضوء من قلب العتمة، تواصل المصممة السودانية نجلاء عوض الشيخ كتابة حكاية تتجاوز حدود الأزياء إلى فضاءٍ أرحب من المعنى الإنساني؛ حيث يصبح الشغف فعل مقاومة، ويغدو الحلم قدرةً على النهوض كلما حاولت الحياة أن تُثقل الخطى.
لم تكن بدايات نجلاء مجرد ولعٍ بالجمال، بل كانت مشروع وعيٍ مبكر بالاختلاف. منذ أكثر من واحد وعشرين عامًا في مجال الأزياء النسائية، ثم انتقالها قبل نحو تسع سنوات إلى تصميم الأزياء الرجالية، ظلت رؤيتها قائمة على فكرة بسيطة وعميقة: أن تكون القطعة انعكاسًا لهوية لا تُستنسخ. لم تنظر إلى التصميم بوصفه ترفًا بصريًا، بل كمساحة حرة للتعبير، تصوغ فيها الذات ملامحها الخاصة بعيدًا عن القوالب الجاهزة.
من داخل بيتها، بدأت الخيوط الأولى للحكاية؛ محاولات متواضعة، إنتاج بسيط، وتجارب تُختبر بالصبر أكثر مما تُقاس بالنجاح السريع. غير أن هذا الهدوء التراكمي سرعان ما تحول إلى مشروع متكامل، حين توسعت أعمالها لتشمل محال تجمع بين الأزياء النسائية والرجالية، إلى جانب الأحذية والإكسسوارات، في رؤية شاملة للأناقة بوصفها منظومة متكاملة لا تفاصيل متفرقة.
اشتغلت نجلاء على ما يمكن تسميته بـ”التطوير من الداخل”؛ حيث حافظت على روح الزي السوداني، وأعادت تقديمه بلغة عصرية. من الثوب السوداني بتحديثاته الجريئة، إلى الجلابيب والعمم والشالات، وصولًا إلى أزياء الأطفال، التي رأت فيها امتدادًا طبيعيًا للهوية داخل الأسرة. لم يكن مشروعها مجرد تجارة، بل محاولة واعية لإعادة تعريف العلاقة بين التراث والحداثة.
لكن الطريق، كما في كل الحكايات الحقيقية، لم يكن مفروشًا باليقين. ففي مجتمع يميل إلى المحافظة، يصبح الاختلاف مغامرة محفوفة بالتردد والرفض. غير أن نجلاء اختارت الرهان على الزمن، لا على التصفيق اللحظي. ومع مرور السنوات، تحولت جرأتها إلى ميزة تنافسية، واستطاعت أن تحجز اسمها بين المهتمين بالأناقة، وصولًا إلى شخصيات عامة وإعلاميين تبنّوا تصاميمها، لتصبح علامتها عنوانًا للثقة والتميز.
وقبيل أن تكتمل ملامح مشروعها الأكبر—مصنع لإنتاج الأزياء الموحدة للمؤسسات—جاءت الحرب لتقاطع المسار بعنفٍ لا يترك مجالًا للتدرج. في لحظة واحدة، فقدت نجلاء ما بنته على مدار سنوات طويلة؛ المحال، المعدات، وكل الذاكرة المادية للمشروع. لكن ما لم تفقده كان الأهم: خبرتها، وإيمانها، وقدرتها على البدء من جديد.
في المملكة العربية السعودية، أعادت الشيخ ترتيب المشهد من نقطة الصفر، ولكن بعقلية أكثر نضجًا وصلابة. بدأت عبر البازارات، غير أنها لم تكتفِ بالمشاركة، بل سعت إلى خلق منصاتها الخاصة. فأطلقت مبادرة “صنّاع النجاح”، التي تحولت إلى فضاءات حيوية تجمع بين العرض والإلهام، وتمنح المواهب فرصة لإعادة اكتشاف إمكاناتها. ومع كل دورة، كانت تثبّت حضورها في المشهد الإبداعي، حتى أصبحت جزءًا فاعلًا من حركة الأناقة في الرياض.
واليوم، تستعد نجلاء لخطوة جديدة في مسيرتها، عبر إطلاق “مهرجان الأناقة” في الخامس من يونيو المقبل، وهو حدث يسعى لتكريم الذوق الرفيع عبر تتويج أكثر رجل أنيق في الرياض، وأكثر امرأة أناقة، إضافة إلى أكثر طفل أناقة. ويعكس هذا الحدث رؤيتها التي تتجاوز التصميم إلى صناعة ثقافة جمالية متكاملة، تحتفي بالتفاصيل الصغيرة بوصفها جزءًا من هوية الإنسان.
ورغم هذا الامتداد، لم تنفصل الحكاية عن جذورها الأولى. ظل السودان حاضرًا في وجدانها، لا كحنينٍ عابر، بل كمشروع عودة مؤجلة. عودة لا تقتصر على استعادة ما فُقد، بل تتجاوز ذلك إلى الإسهام في إعادة البناء، حين تتهيأ الظروف. فحلم نجلاء، كما تقول، ليس ترميم المحال، بل المشاركة في إعمار وطن.
ما بين مساحة عمل صغيرة احتضنت البدايات، ومنصاتٍ تتسع لطموحٍ عابر للحدود، تقف نجلاء عوض الشيخ نموذجًا لامرأة لم تساوم على شغفها، ولم تنكسر أمام العواصف. حكايتها تُعيد تعريف النجاح، لا بوصفه خطًا مستقيمًا، بل كسلسلة من الانكسارات التي تُهذّب الروح، وتمنحها القدرة على النهوض.