كتب: محمد فتحي
لم يكن المشهد عادياً، ولا يمكن اختزاله في مجرد لحظة بروتوكولية ضمن فعالية «مستقبل العقار» بالرياض، أمس، بدا واضحاً أن انتظار بعض الجماهير لم يكن موجهاً لاسمٍ فني أو نجمٍ استعراضي، بل لإعلامية. مجموعة من الحضور وقفت تترقب إطلالة مذيعة قناة «العربية» نادين هاني، بلهفة تشبه تلك التي تحيط بظهور الفنانين، في مشهد يعكس تحوّل العلاقة بين الجمهور والإعلام، حين يتحوّل الحضور المهني إلى كاريزما، والخبرة إلى نجومية هادئة.
حضور أخّاذ وآسر:
نادين التي جاءت في زمنٍ تتشابك فيه الأصوات على منصّات الإعلام وتتنافس فيه الوجوه على انتزاع انتباه المشاهد، برزت بوصفها حضوراً مختلفاً، أطلت كنسمة تأتي بلا ضجيج، فملأت الشاشة جمالاً. ليست مجرّد مذيعة اعتلت منصّات القنوات العربية، بل حالة آسرة تجمع بين قوة اللغة ودفء الروح، منحتها مكانة خاصة لدى جمهور واسع.
جمهور أراد أن يحتفي بها بطريقتها الخاصة، أمس، احتفاء بتاريخ مهني طويل، تشكّل على مهل، وارتكز على معرفة عميقة بالاقتصاد والمال قبل أن ينتقل ابنة قرنة شهوان في المتن، بجبل لبنان، إلى فضاء الإعلام، فبيروت التي صاغت كثيراً من الوجوه الإعلامية العربية، حملت منها نادين هاني منذ ميلادها في العام 1976، حيوية السؤال وقلق المعرفة. لتحصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من الجامعة الأميركية، في مسارٍ بدا للوهلة الأولى بعيداً عن الأضواء، لكنه كان حجر الأساس لما سيأتي لاحقاً.
في عام 1997، بدأت مسيرتها المهنية في قسم إدارة الثروات في مصرف «أ.ب.ن. أمرو» في بيروت، أحد أكبر البنوك الأوروبية آنذاك. هناك، تعرّفت على لغة الأرقام من داخلها، لا كعناوين إخبارية، بل كقرارات مصيرية واستراتيجيات طويلة المدى. وفي عام 2001، انتقلت إلى فريق إدارة الثروات الخاصة في بنك «بي.إن.بي باريباس»، لتعمّق خبرتها في القطاع المصرفي والاستثماري، وتراكم معرفة نادرة في تفاصيل الاقتصاد المالي، وهي معرفة ستمنحها لاحقًا تميّزًا واضحًا أمام الكاميرا.
لكن شغف الإعلام كان يتسلل بهدوء. خلال عملها المصرفي، خاضت تجربة تقديم موجز إخباري اقتصادي على قناة «إم.تي.في» اللبنانية، واستمرت في تقديمه بين عامي 2000 و2002. كانت تلك التجربة بمثابة الجسر الأول بين عالم المال الصارم وشاشة التلفزيون، حيث تعلمت كيف تُحوّل الأرقام المعقدة إلى سرد مفهوم، دون أن تفقد دقتها أو عمقها.
في عام 2003، انتقلت نادين إلى قناة «سي.إن.بي.سي» لتقديم برامج الأخبار الاقتصادية، في مرحلة شهدت تصاعد الاهتمام العربي بالإعلام المالي المتخصص. هناك، ترسّخت صورتها كمذيعة تمتلك المعرفة والخبرة معًا، وتُجيد إدارة الحوار بلغة هادئة وواثقة. ولم يكن انتقالها إلى قناة «العربية» عام 2005 سوى امتداد طبيعي لمسار مهني يتجه نحو الأوسع والأكثر تأثيرًا.
على شاشة «العربية»، لم تكن نادين هاني مجرد ناقلة خبر، بل وسيطة فهم بين الحدث والمتلقي، خصوصاً في القضايا الاقتصادية والمالية المعقّدة. ومع مرور السنوات، أصبح حضورها مألوفًا، وصوتها جزءًا من ذاكرة المشاهد العربي، في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتبدل فيه المعادلات.
مشهد الرياض، أمس، لم يكن احتفاءً بشخص بقدر ما كان اعترافًا بدور جديد للإعلامي؛ دور يتجاوز القراءة من (الأوتكيو) إلى بناء الثقة وصناعة التأثير. في منصة «مستقبل العقار»، أدارت نادين هاني الحوار بثبات العارف، ومرونة الإعلامي، لتؤكد أن النجومية لا تُقاس بالتصفيق وحده، بل بالقدرة على الجمع بين المعرفة والحضور.
هكذا، بدت نادين هاني مثالاً لجيل من الإعلاميين الذين خرجوا من عباءة الشهرة السطحية، ليصنعوا احترامهم بالخبرة، ويكسبوا جمهورهم بالصدق والاتزان. وفي زمن تتقاطع فيه الصورة مع المضمون، يظل هذا النوع من الحضور هو الأكثر بقاءً وتأثيراً، وإلهاماً.












