كأنها خلاصة سردٍ طويلٍ كُتب على امتداد الجرح المفتوح في السودان، أعلنت نقابة الصحفيين السودانيين، مؤخراً،فوزها بجائزة اليونسكو العالمية لحرية الصحافة لعام 2026، في تقديرٍ دولي لجهودها في توثيق الانتهاكات التي طالت الصحفيين والإعلاميين، وكافة المواطنين خلال النزاع المستمر في السودان، وذلك تزامناً مع اليوم العالمي لحرية الصحافة.
تكريم “الجياد الصاهلة” كما يلقبهم الشارع السوداني، جاء في سياقٍ بالغ التعقيد، ولحظةٍ مثقلة بظلال الحرب، كأن لسان حال المعلنين للجائزة كان أقرب إلى صدى وطنٍ يُعيد ترتيب مأساته في لغةٍ تُقاوم النسيان: (بناءً على ما تقدّم، بناءً على ما تهدّم، وما تصدّع وما تحطّم، بناءً على الخراب، مروراً بالحرائق والسراب، انتهاءً بالتشرّد، والعذاب).
حتماً، كان مشهد أقرب إلى استدعاءٍ كثيفٍ لذاكرة الألم، من مجرّد إعلانٍ احتفالي، وإن هبت نسمة باردة على جسد الصحافة المثخن بالجروح، فهي التي أصبحت خط تماسٍ موازٍ، لا تقل مخاطره عن جبهات القتال. فمنذ اندلاع الحرب في الحرب في السودان 2023، واجه الصحفيون ظروفاً قاسية، تراوحت بين الاستهداف المباشر، والتضييق الممنهج، وانقطاع سبل العمل، ما جعل من مهمة نقل الحقيقة فعلًا محفوفًا بالمخاطر، ومقروناً بكلفة إنسانية ومهنية باهظة.
وفي هذا السياق، أكدت النقابة في بيانها أن هذا الفوز لا يندرج في إطار الإنجاز المؤسسي فحسب، بل يمثل اعترافاً دولياً بصمود الصحفيين السودانيين، الذين واصلوا أداء رسالتهم المهنية رغم ما يحيط بهم من تهديدات وانتهاكات. كما أشارت إلى أن الجائزة تعكس حجم الجهود المبذولة في رصد تلك الانتهاكات وتوثيقها، وإيصالها إلى المنصات الدولية، بما يسهم في إجلاء الحقائق ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.
وتُعد هذه الجائزة من أبرز الجوائز العالمية في مجال حرية الصحافة، إذ تعكس تنامي الاهتمام الدولي بأوضاع الإعلام في مناطق النزاع، ولا سيما في السودان، حيث أضحت حرية التعبير من القضايا الملحّة. كما تمثل، في الوقت ذاته، دعمًا معنويًا للصحفيين الذين يواصلون عملهم في بيئة تتسم بانعدام الاستقرار وغياب الضمانات المهنية.
غير أن هذا التقدير الدولي، على أهميته، لا يحجب واقعاً بالغ القسوة، إذ لا تزال الانتهاكات مستمرة، فيما تتزايد أعداد الضحايا. فوفق المعطيات المتداولة، قُتل 34 صحفياً منذ اندلاع النزاع، بينهم خمس صحفيات، في واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ العمل الصحفي في البلاد، الأمر الذي يكرّس اتساع فجوة الألم ويعيد طرح تساؤلاتٍ ملحّة حول العدالة المؤجلة.
وفي موازاة ذلك، تبرز قضية الصحفيين المفقودين والمعتقلين بوصفها أحد أبرز تجليات الأزمة، حيث لا يزال مصير عدد منهم مجهولًا حتى الآن. ومن بينهم الزملاء أشرف الحبر، الذي اختفى في نوفمبر 2024 في ظروف غامضة بمدينة أم درمان، ومصعب الهادي، المفقود منذ أكتوبر 2025، وسط غياب أي معلومات مؤكدة بشأن مصيرهما، في ظل صمت يضاعف من معاناة ذويهم وزملائهم.
كما تستمر أوضاع عدد من الصحفيين المعتقلين في إثارة القلق، بينهم آدم إسحق منان، الذي اعتُقل في أبريل 2026 بمدينة كتم بولاية شمال دارفور، ومصطفى فضل المولى (أبو قوته)، المدير العام لهيئة إذاعة وتلفزيون وسط دارفور، المعتقل منذ سبتمبر 2025 في زالنجي، إلى جانب الصحفي معمر إبراهيم، المعتقل منذ أكتوبر 2025 في الفاشر. أما عصام محمد هارون (عصام جراد)، فقد تعرّض لاعتقالٍ متكرر، إذ أُفرج عنه في مارس 2026 قبل أن يُعاد اعتقاله بعد فترة وجيزة، وسط تقارير تفيد بتدهور حالته الصحية.
وتعيد هذه الوقائع طرح تساؤلٍ جوهري حول مدى اكتمال مشهد الاحتفاء بحرية الصحافة، في ظل استمرار احتجاز صحفيين أو بقائهم في عداد المفقودين. ومن ثم، تتجاوز الجائزة كونها تكريمًا رمزيًا لتتحول إلى منصةٍ للمساءلة، تُذكّر بأن حماية الصحفيين تمثل التزامًا دوليًا وأخلاقيًا لا يحتمل التأجيل.
ويرى مراقبون أن هذا التتويج يحمل دلالاتٍ تتجاوز البعد الرمزي، إذ يعيد تسليط الضوء على الدور المحوري الذي تضطلع به الصحافة في توثيق الانتهاكات، وصون الذاكرة الجماعية، ومنع طمس الحقائق في خضم النزاعات. كما يعزز من مكانة النقابة بوصفها إطارًا مهنيًا قادرًا على الدفاع عن حقوق أعضائه والتعبير عن قضاياهم في المحافل الدولية.
في المقابل، يفتح هذا الاعتراف الدولي الباب أمام تساؤلاتٍ جوهرية بشأن مستقبل الصحافة في السودان، في ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية، والحاجة إلى بيئة أكثر أماناً واستقراراً تمكّن الإعلام من أداء دوره باستقلالية وحرية. فالتكريم، رغم أهميته، لا يُغني عن ضرورة اتخاذ إجراءات عملية تكفل حماية الصحفيين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ووضع حدّ لحالة الإفلات من العقاب.
وهكذا، بين رمزية الجائزة وواقع الميدان، يظل الصحفي السوداني شاهداً على مرحلة دقيقة من تاريخ بلاده، حاملاً قلمه بوصفه أداة مقاومة، ومؤمناً بأن الحقيقة، مهما تعثرت، قادرة على أن تجد طريقها إلى النور.