لم أنم في تلك الليلة. كان الوعد أكبر من النوم، وأثقل من أن تحمله وسادة. أخي، المفتون بالهلال حدّ التماهي، قالها بثقة العارف: غدًا سنلتقي نصر الدين عباس… جكسا. لم تكن جملة عابرة، بل كانت أشبه بإعلان رسمي عن موعد مع الذاكرة، مع زمنٍ كانت فيه كرة القدم حكاية تُروى، لا مجرد نتيجة تُحدَّث.
في صباح اليوم التالي، بدت الصحيفة التي ستجمعنا بجكسا كأنها مسرح صغير لتاريخ كامل. الممرات ضيقة، لكن الاسم الذي مرّ منها ضخم بحجم وطن. هناك، في غرفة قصية، جلس الرجل الذي لم يكن لاعب كرة قدم فحسب، بل كان فكرة، وأسلوبًا، ودهشةً تمشي على قدمين.
نصر الدين عباس، أو كما أحبّ السودانيون أن ينادوه: جكسا، لم يحتج إلى مقدّمات. حضوره وحده كان يكفي. لم يكن طويل القامة، ولا صاخب الصوت، لكن في عينيه شيء يشبه لمعة العشب المبتل بعد مباراة كبيرة. نظرة لاعب يعرف أن المجد لا يُصنع بالضجيج، بل باللمسة الصحيحة في اللحظة الصعبة.
في مقر الصحيفة، بدا الزمن كأنه تراجع خطوة إلى الوراء. الصحفيون، على اختلاف أجيالهم، تحولوا إلى أطفال للحظة. الأسئلة لم تكن مهنية بقدر ما كانت اعترافات حب مؤجلة، أخي، الهلالي حتى النخاع، كان ينصت كمن يصلي. وأنا، الذي جئت محمّلًا بفضول الصحافة وحنين الطفولة، أدركت أن هذا اللقاء ليس سبقاً صحفياً، بل درساً في معنى أن تكون نجمًا دون أن تحترق، وأن تلمع دون أن تعمي الآخرين.
بدأ الحديث كما تبدأ الذكريات دائمًا: بضحكة خفيفة، ثم صمت قصير، ثم انفجار من الحكايات. حكى عن الهلال، لا بوصفه نادياً، بل كبيتٍ كبير، وعن الملاعب الترابية التي خرجت منها المواهب كما تخرج السنابل من أرض عطشى. كان يتحدث، فنرى نحن ما يقول: تمريرة بالكعب، مراوغة تُربك مدافعين، وتسديدة لا تُرد، بل تعرف طريقها إلى الشباك قبل أن تنطلق.
المسامرة، لم تبدأ كسردٍ تاريخي، بل كذاكرة حيّة، لرجل لم يكن لاعبًا عاديًا في جيله؛ كان معيارًا. به قِيس الجمال في الكرة السودانية، وعليه اختلفت الأذواق. حتى الخصوم، أولئك الذين نشأوا على منافسة الهلال، كانوا يصمتون احترامًا حين تصل الكرة إلى قدميه. فالخلافات، مهما اشتدت، تتلاشى حين يحضر الإبداع الخالص.
كانت حكاوي كأس الأمم الأفريقية حاضرةً بقوة، تتسلّل إلى ملامحه قبل كلماته؛ فينعقد وجهه حين يستعيد مرارة الخسارة والتعثّر عند العتبة الأخيرة، وكأن الوجع لم يبرد بعد. ثم، ما يلبث أن تنفجر أساريره وهو ينتقل إلى حكاية أخرى، حكاية ما سطّره مع رفاقه عام 1970، يوم انتصروا وأهدوا الوطن تلك الكأس، فصار الفرح جزءًا من الذاكرة لا يغيب.
ويمتد السرد بعد ذلك إلى ما تلا المجد، حين تهاطلت عليه العروض العالمية من أنديةٍ عملاقة مثل بايرميونخ الألماني وبوكاجونيور الأرجنتيني كانت ترى فيه لاعباً جديراً بارتداء قمصانها، ليقف اسمه عند تخوم العالم، بين حلم الاحتراف الكبير وخيار البقاء قريباً من الأرض التي صنعت حكايته.
لم يتحدث الرجل عن الألقاب كثيراً، ولا عن الأرقام. كان يرى أن المجد الحقيقي هو أن تبقى في الذاكرة، أن يُقال بعدك: مرّ من هنا لاعب اسمه جكسا. في زمنٍ تتكدس فيه الإحصاءات، كان ابن زمن آخر، زمن تُقاس فيه العظمة بمدى تأثيرك في وجدان الناس.
حين انتهى اللقاء، لم نشعر أنه انتهى. خرجنا ونحن نحمل أكثر من أوراق؛ حملنا إحساسًا ثقيلًا بالمعنى. أدركنا أن جكسا لم يكن مجرد نجمٍ مرّ، بل قيمة. لاعب اختار القلب على العالم، والوفاء على الثراء، فصار أكبر من العروض، وأبقى من الألقاب.
في طريقنا إلى «حليوة» بائعة الشاي، حسمنا أنا وأخي أمرنا أخيراً، واتفقنا على رمزٍ سوداني لا يختلف عليه اثنان. أدركنا أن ذلك اللقاء لم يكن موعداً مع أسطورةٍ كروية فحسب، بل كان موعدًا مع ذواتنا؛ مع ذلك الطفل الذي كان ينتظر الإذاعة الرياضية كل صباح ريفي معبق بعطر الجروف وأنين السواقي، ومع شغفٍ نقيّ يجعل كرة القدم أكثر من لعبة، ويجعل جكسا اسماً لا يشيخ، وحكاية لا تُغلق.