
تقرير: محمد فتحي
لم يكن عام 2025 مجرد رقمٍ في سجل السنوات العصيبة التي مرّت على الصحافة السودانية، بل كان عاماً مثقلاً بالدم والخوف والصمت القسري. ففي بلدٍ تتنازع فيه البنادق السلطة، ظل الصحفيون يدفعون أثمان الحقيقة من أرواحهم وحرياتهم، وهم يؤدون دورهم المهني في واحدة من أخطر البيئات الإعلامية في العالم.
ووفقاً لـ«تقرير الحريات الصحفية 2025» الصادر عن سكرتارية الحريات بنقابة الصحفيين السودانيين، فقد وثّق العام مقتل 14 صحفيًا وعاملًا في المجال الإعلامي، في مؤشر بالغ القسوة على حجم المخاطر التي تحيط بالمهنة. هؤلاء لم يسقطوا في ساحات القتال كمقاتلين، بل كحملة أقلام وكاميرات، اختاروا أن يكونوا شهودًا على الحقيقة في زمنٍ يُعاقَب فيه الشهود.
ولم تتوقف الانتهاكات عند القتل، إذ سجّل التقرير ست حالات إخفاء قسري، ما زال الغموض يلف مصير أصحابها، وأربع حالات اعتقال طويل الأمد، إضافة إلى تسع حالات اعتقال واحتجاز تعسفي مؤقت، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أدوات ترهيب وكسر إرادة. كما رُصدت أربع حالات ملاحقة قضائية استُخدمت فيها القوانين كسلاح لتكميم الأفواه، في مشهد يعكس تسييس العدالة وتوظيفها ضد العمل الصحفي.
وفي امتدادٍ لدوائر القمع، أشار التقرير إلى ثماني انتهاكات عابرة للحدود، طالت صحفيين سودانيين حتى في دول اللجوء، حيث لم يكن المنفى كافيًا لضمان الأمان. كما وثّق 19 حالة تهديد وخطاب كراهية وحملات تشهير منظمة، استهدفت صحفيين وصحفيات في محاولة لتشويه سمعتهم والنيل من مصداقيتهم، فضلًا عن ثلاث قرارات وإجراءات مؤسسية قيّدت العمل الصحفي وأفرغته من دوره الرقابي.
وتبرز مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بوصفها إحدى أخطر بؤر الانتهاكات خلال عام 2025. ففي مدينةٍ تحاصرها نيران القصف، ويغيب عنها الأمان، وتعاني انقطاعًا شبه كامل للاتصالات والإنترنت، تحوّل العمل الصحفي إلى مغامرة وجودية. هذا الانقطاع لم يحجب الأخبار فحسب، بل أعاق عمليات التوثيق، وقيّد قدرة الصحفيين على نقل الوقائع، وخلق بيئة معتمة يُرجّح أن ما تم توثيقه لا يمثل سوى جزءٍ ضئيل من الواقع الحقيقي.
وفي واحدة من أكثر الوقائع إيلامًا، سجّل التقرير ثلاث حالات اختفاء لصحفيين كانوا موجودين في الفاشر قبل المجازر التي تزامنت مع سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025. وحتى اللحظة، لا تتوفر أي معلومات عن أماكن وجودهم أو ظروف اختفائهم، ما يضاعف المخاوف بشأن مصيرهم، ويضيف جرحًا جديدًا إلى جسد الصحافة السودانية النازف.
يعكس هذا التقرير صورة قاتمة لمشهد الحريات الإعلامية في السودان، حيث لم يعد الصحفي مهددًا فقط بسبب ما يكتبه، بل بسبب كونه صحفيًا فحسب. وبين رصاصٍ طائش، واعتقالٍ تعسفي، وتشريعاتٍ مُقيدة، وخطاب كراهية منفلت، تتآكل المساحة المتاحة للكلمة الحرة، ويُدفع المجتمع نحو العتمة.
ومع ذلك، ورغم هذا الواقع القاسي، يواصل الصحفيون السودانيون أداء دورهم بإصرار لافت، مؤمنين بأن الحقيقة، مهما حوصرت، قادرة على النجاة. ففي بلدٍ تتكاثر فيه محاولات إسكات الصوت، يبقى الصحفي آخر خطوط الدفاع عن الذاكرة، وعن حق الناس في أن يعرفوا ما يجري باسمهم وعلى أرضهم.













