
تقرير: محمد فتحي
في فضاء التحليل الرياضي العربي، حيث تتزاحم الأصوات وتتشابك الرؤى، ويظفر القليل بإعجاب المشاهد، أثار طلّة لاعب الهلال السوداني السابق الكابتن حمد كمال على شاشة «قنوات الكاس» القطرية؛ موجة من الاشادات، فظهر كمال بفرادةٍ تشبه خطّ اللاعب الماهر وسط زحام المستطيل الأخضر. حضورٌ طاغٍ لا يعتمد على الضجيج، بل على بصمة هادئة تتسلّل إلى انتباه المشاهد منذ اللحظة الأولى، وكأنك أمام شخصية تعرف ما تقول وتقول ما يجب أن يُقال.
ويرى كثيرون أن من يشاهد حمد كمال يدرك سريعاً أن الرجل لا يقدّم تحليلاً عابراً، بل حديث منضبطٌ كخط دفاعٍ متماسك، وتحليله يمتدّ في طبقات متعددة؛ من قراءة التمركز والتكتيك، إلى التقاط الإيقاع النفسي داخل المباراة، مروراً بفهم دوافع المدربين وخياراتهم، يشعر المتابع تشعر أنه لا يستعرض معلومات، بل يذهب بجماهير المستديرة في رحلة داخل عقل المباراة، يفتح لهم ما بين السطور ويمنحهم متعة الفهم قبل متعة الفرجة.
واتفق عدد من المختصين بالشأن الرياضي، أن كمال يختلف عن كثير من المحللين الذين يراهنون على نبرة الصوت أو الحضور الصاخب، مؤكدين أن قوته تكمن في الحجة، وفي بناء رأيٍ يتكئ على أرقام واضحة ومشاهد مدروسة، وفي لغة قادرة على الربط بين التفاصيل الصغيرة التي تغيّر مصير مباراة، والتوجهات الكبرى التي تصنع موسماً كاملاً، مشيرين أنه لا يكتفي بإطلاق الأحكام، بل يشرح، يحلل، ويعيد تفكيك اللحظة الفنية على نحوٍ يعيد للمشاهد ثقته في التحليل التلفزيوني.
فيما ذهب البعض إلى أن ما يميّز إطلالة حمد كمال أنه ليس فقط محللاً موسمياً ظهر من رحم المصادفات أو منصات التواصل، بل رجل خبر الملعب لاعباً ومدرباً ومتابعاً. “هذه الخلفية تمنحه تلك «الرؤية الناضجة» التي تظهر في نبرة حديثه، وفي طريقته في إدارة النقاش داخل الأستوديو، حيث يبدو قادراً على ضبط إيقاع الحوار من دون أن يفقد هدوءه أو صرامته المهنية”.
وفي وقت ظلّ حضور المحلل السوداني متواضعاً مقارنة بنظرائه من دول أخرى، أعاد كمال رسم هذه الصورة بواقعية مشرّفة، فقد قدّم نموذجاً يحتذى، ونقل خبرة الكرة السودانية بعمقها التاريخي إلى منصة تعدّ من الأقوى والأكثر مشاهدة في العالم العربي، مقدّماً نفسه بعيداً عن الشعارات، معتمداً على الجهد والمعرفة وما يقدّمه في كل ظهور من محتوى يضيف للمشاهد ولا يكتفي بمشاركته، حسب رواد السوشال ميديا.
ميزة تنافسية:
اشادات كبيرة ظفر بها الكابتن حمد كمال في زمنٍ بات فيه التحليل الرياضي أداةً لصناعة الوعي الجماهيري، أجمعت على أنه من الأصوات التي تعيد للعبة رونقها الفكري، و أبرز العديد من المعجبين جوانب فنية تعطي كمال، ميزة تنافسية بين المختصين بالمجال، منها أنه لا يتعامل مع كرة القدم كاستعراضٍ للمواهب فقط، بل كعلمٍ تحكمه قواعد وتحوّلات، وكفضاء تلتقي فيه الفلسفة الرياضية مع متطلبات الواقع، ما تمنحه هذه النظرة مساحة واسعة من الثقة، ليس فقط لدى المشاهد، بل لدى زملائه في الأستوديو الذين يجدون في حضوره قيمة مضافة للحوار، بعيداً عن الخطابات الجاهزة والقراءات السطحية.
الخاتمة:
إذاً حضور أخّاذ وآسر، أثبت من خلاله حمد كمال أن الكفاءة لا تعترف بالجغرافيا، وأن الصوت الهادئ قد يكون أبلغ أثراً من عشرات الأصوات المرتفعة. وفي وقت تحتاج فيه الرياضة العربية إلى خطاب تحليلي أكثر عمقاً ونضجاً، يبرز كمال كعلامة مضيئة تؤكد أن الاحتراف لا يكون بالصوت العالي، بل بالفكرة حين تكون واضحة، وبالرؤية حين تكون صادقة، وبالحضور حين يكون نابعاً من الخبرة والثقة، ليقرأ الملعب قبل أن تُحرّك الكرة أقدامها.













