
تقرير: محمد فتحي
في أقصى شمال السودان، حيث تتقاطع الجغرافيا القاسية مع شحّ الخدمات، سُجِّل إنجاز صحي لافت أعاد الأمل إلى سكان منطقة سعدنفنتي بوحدة دلقو الإدارية. فبجهود ذاتية خالصة، وبتكلفة بلغت 16 مليون جنيه سوداني، نجح أهالي المنطقة في تركيب وتجهيز وتشغيل جهاز فحص الدم الكامل (CBC) بمركز سعدنفنتي الصحي، في خطوة تُعد الأولى من نوعها على مستوى المنطقة في مجال الخدمات التشخيصية الحديثة.
تحول نوعي في الرعاية الصحية:
هذا الإنجاز لم يكن مجرد إضافة جهاز طبي إلى مركز ريفي، بل مثّل تحولاً نوعياً في مفهوم الرعاية الصحية بالمناطق الطرفية، حيث ظلّ السكان ولسنوات طويلة يقطعون مسافات شاقة للوصول إلى مراكز تشخيصية بعيدة، بحثاً عن فحص معملي أساسي قد يحدد مصير علاج مريض أو يطمئن أسرة بأكملها.
والجهاز الذي يُعد أحد أهم الأدوات التشخيصية في الطبي الحديث، إذ يوفر قراءات دقيقة لمكونات الدم، ويُسهم في الكشف المبكر عن أمراض متعددة مثل فقر الدم، والالتهابات، واضطرابات المناعة، وغيرها من الحالات التي تتطلب تشخيصًا سريعًا ودقيقًا. ومع تشغيل الجهاز في مركز سعدنفنتي الصحي، باتت هذه الخدمة متاحة محليًا دون عناء السفر أو كلفة إضافية ترهق كاهل المواطنين.
ويغطي المركز الصحي بخدماته منطقة سعدنفنتي والمناطق المجاورة ضمن وحدة دلقو الإدارية، ما يجعل من هذا الإنجاز رافعة حقيقية لتحسين جودة الخدمات الطبية في نطاق جغرافي واسع، خصوصًا فيما يتعلق بالفحوصات المعملية الأساسية التي تُعد حجر الأساس لأي تشخيص سليم.
اللافت في هذه الخطوة أنها جاءت بجهود مجتمعية خالصة، دون انتظار دعم مركزي أو تمويل خارجي، في مشهد يعكس عمق روح التكافل الشعبي وقدرة المجتمعات المحلية على سدّ فجوات الخدمات متى ما توفرت الإرادة. فقد تكاتفت أيادي أبناء المنطقة، كلٌّ بما يستطيع، ليحوّلوا الحلم إلى واقع ملموس يخدم الجميع، ويُعيد الاعتبار لدور المجتمع في دعم القطاع الصحي.
ويرى متابعون أن ما حدث في سعدنفنتي يتجاوز كونه مشروعاً صحياً محدودًا، ليشكّل نموذجًا ملهمًا للمبادرات القاعدية التي يمكن أن تُحدث فارقًا حقيقيًا في حياة الناس، خاصة في المناطق الريفية التي تعاني من هشاشة البنية التحتية الصحية. كما يؤكد هذا الإنجاز أن الاستثمار في الصحة، مهما بدا بسيطًا، يظلّ من أكثر الاستثمارات أثرًا واستدامة.
ضخ كوادر طبية جديدة:
من جهتهم، عبّر عدد من المواطنين عن ارتياحهم الكبير لتشغيل الجهاز، ورفد المركز بطاقم طبي جديد برئاسة طبيب عمومي، مؤكدين أن ضخ كوادر طبية جديدة بالمركز وتوفر خدمات الفحص المخبري سيُخفف كثيرًا من المعاناة، خاصة لكبار السن والنساء والأطفال، الذين كانوا الأكثر تضررًا من مشقة التنقل إلى المدن البعيدة.
ويأتي هذا التطور في وقت يواجه فيه القطاع الصحي السوداني تحديات جسيمة، ما يجعل من المبادرات المجتمعية ركيزة أساسية للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات العلاجية والتشخيصية. كما يعكس المشروع وعياً متقدماً بأهمية التشخيص المبكر ودوره في تقليل المضاعفات الصحية وخفض كلفة العلاج على المدى الطويل.
هكذا، ومن قلب الريف، يبعث مركز سعدنفنتي الصحي برسالة واضحة: حين تتقدم إرادة الناس، وتتكاتف الجهود، يمكن للمبادرات الشعبية أن تصنع فارقاً حقيقياً، وأن تضع لبنة راسخة في طريق استقرار الخدمات الصحية، وحماية حق المواطن في علاج كريم، مهما بعدت المسافة أو اشتدت الظروف.
وتمثل هذه الخطوة أيضًا دعوة صريحة للمؤسسات الرسمية والمنظمات الصحية والإنسانية للنظر بجدية إلى مثل هذه النماذج الناجحة، ودعمها بالبناء عليها وتطويرها، سواء عبر توفير الكوادر المؤهلة أو الإمداد المستمر بالمستهلكات الطبية وضمان الصيانة الدورية للأجهزة. فاستدامة هذا الإنجاز لا تقل أهمية عن تحقيقه، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والخدمية المعقدة التي تمر بها البلاد. ويأمل أهالي سعدنفنتي أن يكون تشغيل جهاز فحص الدم الكامل بداية لسلسلة من التحسينات الصحية، تشمل توسيع الخدمات التشخيصية والعلاجية، بما يعزز من صمود المجتمعات الريفية، ويؤكد أن حق الوصول إلى الرعاية الصحية العادلة ليس امتيازاً للمدن وحدها، بل حق أصيل لكل مواطن.













