
كتب: محمد فتحي
في ليالٍ نادرة، تتجاوز كرة القدم حدود المستطيل الأخضر، لتتحول إلى مسرحٍ مفتوح تُختبر فيه معاني القيادة، والشجاعة، والقدرة على اتخاذ القرار حين يتراجع الجميع خطوة إلى الوراء. تلك كانت ليلة السنغال، وليلة ساديو ماني، حين وقف وحده في مواجهة عاصفة من الجدل والضغوط، واختار أن يمضي حتى النهاية.
صوت واحد قال لا:
لم تكن الظروف عادية. قرار الانسحاب كان مطروحاً بقوة. رئيس الاتحاد السنغالي رأى أن الظلم التحكيمي بلغ حداً لا يُحتمل. المدير الفني، وهو المسؤول الأول فنياً، مال إلى الخيار ذاته. وحتى الأسطورة الحية الحاج ضيوف، من مدرجات الملعب، طالب بالانسحاب احتجاجاً وغضباً. كان المشهد ينذر بانكسار جماعي، وبخروج لا يشبه تاريخ “أسود التيرانغا”.
وسط هذا الضجيج، كان هناك صوت واحد فقط لا يريد أن يصمت. ساديو ماني لم يرفع شعارات، ولم يلقِ خطبة حماسية. فعل ما يفعله القادة الحقيقيون: اتخذ موقفًا. رفض الانسحاب. أصرّ. عاند. ثم مضى إلى غرفة الملابس ليعيد زملاءه لاعبًا لاعباً إلى أرض الملعب، وكأنه يجمع شتات روح فريق كادت أن تتبعثر.
في تلك اللحظة، لم يكن ماني مجرد نجم عالمي أو قائد شارة. كان ضمير الفريق، ورمزاً لفكرة بسيطة وعميقة: الأبطال لا ينسحبون. قد يُظلمون، قد يغضبون، لكنهم يقاتلون حتى الصافرة الأخيرة، لأن التاريخ لا يكتب للغاضبين، بل للثابتين.
الجدل التحكيمي لم يكن تفصيلاً عابراً. ركلة جزاء مثيرة للجدل للمغرب، وهدف سنغالي لم يُحتسب قبلها بدقائق، أشعلا فتيل الاحتقان في المدرجات وعلى دكة البدلاء. لكن ماني فهم ما لم يفهمه غيره في تلك اللحظة: الانسحاب لا يعيد حقًا، بل يسلبك حقك في القتال. والبقاء في الملعب هو الشكل الأسمى للاحتجاج النبيل.
لحظة الحسم:
عاد لاعبو السنغال إلى أرضية الميدان بوجوه متجهمة، لكن بقلوب أقوى. ومع كل دقيقة، كان الإصرار يتحول إلى طاقة، والطاقة إلى أداء، والأداء إلى سيطرة وثقة. وحين حانت لحظة الحسم، كانت السنغال قد استردت زمام المباراة، وفرضت شخصيتها، لتتوج في النهاية بلقب أفريقي جديد يُضاف إلى سجلها الذهبي.
كأس إفريقيا هذه المرة لم تكن مجرد بطولة. كانت شهادة قيادة. توقيعها لم يكن فقط باسم المنتخب، بل باسم ساديو ماني، الذي أثبت أن القائد الحقيقي هو من يتحمل عبء القرار حين يهرب الآخرون من ثقله. هو من يرى أبعد من اللحظة، وأعمق من الغضب.
في عالم كرة القدم، تُنسى الأهداف أحياناً، وتبهت النتائج مع مرور السنوات، لكن المواقف الكبرى تبقى. وما فعله ماني في تلك الليلة سيظل يُروى طويلًا في ملاعب إفريقيا، وفي غرف تبديل الملابس، وفي قصص الأجيال القادمة.
هذه لم تكن ليلة تكتيك، ولا ليلة حظ. كانت ليلة قيادة. ليلة رجل قرر أن يقول “نلعب” حين قال الجميع “ننسحب”. ومن هناك، صُنع التاريخ.
ساديو ماني، في تلك الليلة، لم يكن فقط بطل مباراة، بل أسطورة أفريقية خالدة.













